القرطبي
94
التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة
سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [ الفرقان : 12 ] أي : تعظيما لغيظها وحنقها ، يقول اللّه تعالى : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [ الملك : 8 ] أي : تكاد تنشق نصفين من شدة غيظها ، فيقوم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بأمر اللّه تعالى ، ويأخذ بخطامها ويقول : ارجعي مدحورة مدحورة إلى خلقك حتى يأتيك أهلك أفواجا ، فتقول : خلّ سبيلي فإنك يا محمد حرام عليّ ، فينادي مناد من سرادقات العرش : اسمعي منه وأطيعي له ، ثم تجذب وتجعل عن شمال العرش ، ويتحدث أهل الموقف بجذبها فيخفّ وجلهم ، وهو قوله تعالى : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [ الأنبياء : 107 ] وهناك تنصب الموازين ، على ما تقدّم . فصل هذا يبيّن لك ما قلناه أن جهنم اسم علم لجميع النار ، ومعنى « يؤتى بها » يجاء بها من المحل الذي خلقها اللّه تعالى فيه ، فتدار بأرض المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط كما تقدم . والزمام : ما يزمّ به الشيء ، أي : يشدّ ويربط به ، وهذه الأزمّة التي تساق بها جهنم تمنع من خروجها على أرض المحشر ، فلا يخرج منها إلا الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء اللّه بأخذه على ما تقدم ويأتي ، وملائكتها كما وصفهم اللّه غلاظ شداد . وقد ذكر ابن وهب ، حدّثنا عبد الرحمن بن زيد قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في خزنة جهنم : « ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب » . وقال ابن عباس : « ما بين منكبي الواحد منهم مسيرة سنة ، وقوة الواحدة منهم أن يضرب بالمقمعة فيدفع بتلك الضربة سبعين ألف إنسان في قعر جهنم » . وأما قوله تعالى : عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ [ المدثر : 30 ] فالمراد رؤساؤهم على ما يأتي ، وأما جملتهم فالعبارة عنهم كما قال تعالى : وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ المدثر : 31 ] . فصل قال العلماء : إنما خصّ النبي بردها وقمعها وكفّها عن أهل المحشر دون غيره من الأنبياء صلوات اللّه عليهم ، لأنه رآها في مسراه ، وعرضت عليه في صلاته ، حسب ما ثبت في الصحيح ، قال : وفي ذلك فوائد ثمان : الأولى : أن الكفار لما كان يستهزءون به ويكذبونه في قوله ، ويؤذونه أشد الأذى ، أراه اللّه تعالى النار التي أعدها للمستخفّين به وبأمره ، تطييبا لقلبه وتسكينا لفؤاده .